personal2

قراءة (البغدادي)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رقم الفتوى (808)

 

ورد إلى دار الإفتاء السؤال التالي:

          حصل نزاع بين أهل منطقة في مشروعية الاجتماع في خلوة لقراءة (البغدادي)، فيما يسمى بمدح الرسول صلى الله عليه وسلم، وأدى هذا النزاع إلى الشقاق والخصام والانقسام بين أهل المنطقة، فما نصيحتكم في ذلك؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

           أما بعد:

        فالواجب عند التنازع الرجوع إلى كتاب الله تعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وماكان عليه سلف الأمة والأئمة المتبوعون؛ لقول الله تعالى: )فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً([النساء:59 ولم يكن يجتمع لمثل مدح البغدادي والمولد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولا التابعون، ولا أبوحنيفة، ولا مالك، ولا الشافعي، ولا أحمد، ولا أحد من أهل القرون الثلاثة الأولى خير القرون، ويصعب تصور أن يكون هذا الاجتماع للمدح قرب المولد خير أو قربة فاتت، وحرم منها أهل القرون الثلاثة الأولى جميعا؛ الصحابة، والتابعون، وتابعوهم، وهم الهداة والخيرون والمجتهدون في العبادة والحريصون، فالتزام غرزهم أوثق، والسير على هديهم أوفق، ومدح النبي صلى الله عليه وسلم دون غلو فيه، والصلاة والسلام عليه من أعظم القربات، قال الله تعالى: )لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ([الفتح:9]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً)[مسلم:384]، والاجتماع للذكر ورفع الصوت به في الأماكن العامة كالمساجد والزوايا، ولو كانت الجماعة قليلة، مكروه عند علماء المالكية، والأصل في ذلك قول الله تعالى: )ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ([الأعراف:55 وقوله تعالى لنبيه زكرياء عليه السلام: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا) [مريم:3 وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً، تدعون سميعاً بصيراً قريباً) [البخاري:2992/مسلم:2704]، قال الشيخ خليل في المختصر: "وكره جمع كثير لنفل، أو بمكان مشتهر"[مختصر خليل:1/39 وقال الونشريسي: "قال الشيخ أبو الحسن العامري: الاجتماع على الذكر إذا كان يذكر كل واحد وحده، وأما على صوت واحد فكرهه مالك"[المعيار:1/206]، وماكان أصله مشروعاً كالذكر قد يصير غير مشروع إذا خصص الناس له وقتاً لم يخصصه له الشرع، وألزموا أنفسهم به إلزاماً يجعلهم يستهجنون تاركه، وينكرون عليه، وربما وصفوا تاركه بأنه لا يحب الله تعالى، أو لا يحب رسوله صلى الله عليه وسلم، فحينها يتحول بهذا الإلزام إلى البدعة، فقراءة القرآن الكريم مثلاً هي أفضل الذكر، ولو أراد أحد أن يسن قراءة القرآن الكريم في الركوع لكان آثماً، وتسبيح الله تعالى دبر الصلوات المفروضة ثلاثاً وثلاثين يكفر الذنوب، ولو أراد أحد أن يزيد ويجعله أربعاً وثلاثين كان مبتدعاً، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يترك العمل أحياناً، وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض عليهم، والناس إذا ألزموا أنفسهم بشيء لم يلزمهم الله تعالى به، وأنكروا على تاركه، فقد فرضوه وألزموا أنفسهم به، وهكذا يتغير دين الله وأحكامه، وقد كان الإمام مالك رحمه الله من أشد الناس اقتداء بالسنة، واتباعاً لمن سلف، وكان يقول: "فما لم يكن يومئذٍ ديناً، لم يكن اليوم دينا، وكثيراً ما كان يتمثل بقول القائل:

                وخير أمور الدين ما كان سنة                   وشر الأمور المحدثات البدائع

           ومن ذلك أن رجلاً أتاه، فقال: يا أبا عبد الله، من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة، من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: إني أريد أن أحرم من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، من عند القبر، قال: لا تفعل، فإني أخشى عليك الفتنة، فقال: وأي فتنة هذه؟ إنما هي أميال أزيدها، قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني سمعت الله يقول: )فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ([النور:63]" [الاعتصام:1/174 والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

 

                                                                       الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

                                                                                   مفتي عام ليبيا

2/ربيع الأول/1434هـ

2013/1/14

 

 

صفحتنا على الفيس بوك

 

الصفحة البديلة لدار الإفتاء